مقال رأي وتحليلات

سقوط النظام في سوريا، فرصة للحركات المناوئة لحركة طالبان الإستبدادية

إن سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد يُشكل نقطة تحول ليس فقط بالنسبة لسوريا، بل و كذلك للحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وبالنسبة لحركة طالبان الإسلامية في أفغانستان، فإن هذه اللحظة (حلوة ومرة بنفس الوقت)، ففي حين يقدم إنهيار النظام في سوريا إنتصارا رمزيا، فإن صعود (هيئة تحرير الشام- الإسلامية) يُشكل تحديا فكرياً و إستراتيجيا مباشراً.

تُسلط وعود هيئة تحرير الشام بالشمولية والتسامح مع الأقليات والإصلاح الديمقراطي الضوء على سياسات حكام طالبان الرجعية و الاستبدادية في أفغانستان، وعلاوة على ذلك، فإن إنتصار (المتمردين) السوريين قد يُلهم حركات المُعارضة داخل أفغانستان ويشجع المسؤولين المُعتدلين في حركة طالبان على مقاومة حكم زعيمهم المُتشدد (الملا هبه‌الله اخوندزاده).

Syria

التطورات المُفاجئة التي حققتها قوات المعارضة في الحرب الأهلية السورية و الانهيار اللاحق لنظام بشار الأسد أرسل موجات صدمة عبر العالم، حيث شاهد العالم العربي التطورات السورية بمشاعر مُختلطة – ما بين الأمل في التغيير، ولكن المخاوف بشأن عدم الاستقرار، ومع ذلك، أستقبلت حركة طالبان الحدث بحماس واضح.

أحتفلت العديد من حسابات وسائل التواصل الاجتماعي التابعة لحركة طالبان بالنجاحات الأخيرة (للمُتمردين) في سوريا، حيث في الثامن من كانون أول/ديسمبر 2024، هنأت حركة طالبان القوات التي تقودها هيئة تحرير الشام، وأعربت حركة طالبان عن أملها في أن يؤدي انتقال السلطة في سوريا إلى إنشاء حكومة تتماشى مع (تطلعات الشعب والقيم الإسلامية)، وفي العاصمة الافغانية، كابل، وغيرها من المقاطعات الأفغانية، أحتفل أعضاء حركة طالبان بالنصر باحتفالات وتوزيع الحلوى والتجمعات.

مع ذلك، تكمن وراء الابتهاج حقيقة غير مريحة: سقوط بشار الأسد قد لا يبشر بالخير لحركة طالبان في الأمد البعيد.

في حين أن مزيج الجماعة المتمردة السورية من القومية و الإسلامية يردد صدى فكر حركة طالبان في أفغانستان وحركة طالبان الباكستانية، فإن (المتمردين) السوريين قد يخيبون آمال نظرائهم في أفغانستان!

تشير سياسات هيئة تحرير الشام وخطابها، على الأقل في الوقت الحالي، إلى نهج مُختلف بشكل ملحوظ للحكم، حيث تعهد زعماء المعارضة السورية، وعلى رأسهم (الجولاني أو أحمد الشرع) في هيئة تحرير الشام بالعمل من أجل تشكيل حكومة شاملة تعترف بالتنوع العرقي و الديني في سوريا.

على النقيض من ذلك، أستبعدت حركة طالبان النساء و الأقليات (من الهزارة، الطاجيك والاوزبك) بشكل منهجي من الحياة العامة، وفشلت في تشكيل إدارة شاملة، حيث تواجه الأقليات الدينية، تمييزا واسع النطاق تحت حكم حركة طالبان، بما في ذلك القيود المفروضة على ممارساتهم الدينية.

أشارت هيئة تحرير الشام وحلفاؤها إلى خُطط لتشكيل حكومة انتقالية لمدة 18 شهرا، واعتماد دستور جديد، وإجراء انتخابات بعد ذلك.

في حين لا تزال هذه الوعود تنتظر الوفاء بها، فإنها تتناقض بشكل صارخ مع الاستبداد المتصلب لحركة طالبان، والذي يتميز بسياساته القاسية ضد النساء و الأقليات، وقد أثار قرار حركة طالبان بحظر النساء من التعليم بالكامل ــ بما في ذلك الحظر الأخير على التدريب في قطاع الصحة ــ إدانة دولية، فقد أعربت النرويج، التي كانت ذات يوم منفتحة نسبيا على التعامل مع حركة طالبان، مؤخرا عن خيبة أملها إزاء القيود التي فرضتها الجماعة على تعليم النساء وألغت خططها لاستقبال مبعوث من الحركة.

تشكل هذه العزلة العالمية المتزايدة مصدر قلق متزايد للأصوات المُعتدلة داخل حركة طالبان، حيث شخصيات مثل سراج الدين حقاني وزير داخلية طالبان، وعباس ستانيكزاي نائب وزير الخارجية، وكلاهما من المسؤولين المؤثرين في حركة طالبان قد أنتقدوا علناً زعيم الجماعة (الملا هبه‌الله اخوندزاده)، بسبب سياساته التقييدية المتزايدة، وقد حذر (سراج الدين حقاني) بشكل خاص من ان مثل هذه السياسات قد تؤدي الى تنفير السكان الافغان وتسريع زوال نظام طالبان.

ان الخُطط المُحتملة الاخيرة لتقييد أنشطة جميع المنظمات غير الحكومية الاجنبية في افغانستان، الى جانب حظر تعليم النساء، قد تعمق عزلة البلاد وتضخم المعارضة الداخلية، وخاصة داخل صفوف حركة طالبان، و ضمن هذه الخلفية، فإن إستعداد (المتمردين) السوريين الواضح لتبني الحكم الشامل قد يشجع المسؤولين المُعتدلين في حركة طالبان على معارضة موقف زعيم الحركة المتشدد، بشكل اكثر نشاطاً.

ان انهيار نظام بشار الاسد قد يخلف كذلك تأثيرات غير متوقعة في افغانستان. ففي حين أحتفلت حركة طالبان بانتصار المتمردين السوريين، فإن ابتهاجهم قد يكون قصير الاجل، حيث إن نجاح هيئة تحرير الشام في الإطاحة بمستبد حكم البلاد لفترة طويلة قد يُشجع قوى المعارضة في أفغانستان، فضلاً عن الأعضاء المُعتدلين في حركة طالبان، الذين يشعرون بخيبة أمل متزايدة إزاء حكم زعيم الحركة المتفرد في القرارات والحكم!

شَبه نائب الرئيس الأفغاني السابق أمر الله صالح، وهو صوت بارز للمقاومة، مشاهد الابتهاج في دمشق، العاصمة السورية، بالفترة في عام 2001 عندما أطاحت القوات المدعومة من الولايات المتحدة بحركة طالبان، وبالنسبة لحركة طالبان، قد يَخدم سقوط نظام بشار الأسد عن غير قصد تجربة عملية تحذيرية حول هشاشة الأنظمة الاستبدادية.

إن انتصار (المتمردين) السوريين يقدم بصيص أمل لأولئك الذين يعارضون حركة طالبان، وإذا أوفت هيئة تحرير الشام بوعودها بالحكم الديمقراطي والشمولية، فقد توفر حديثاً مضاداً لنظام حكم حركة طالبان الجامد والاستبدادي المستبعد لفئات الشعب.

وبالنسبة للأفغان الذين يتوقون إلى التغيير، قد يخدم صعود هيئة تحرير الشام كنموذج مُلهم على الرغم من التحديات التي ستواجهها سوريا بلا شك في انتقالها.

إن الحكم الاستبدادي لحركة طالبان، والذي انتقده بالفعل بعض الحلفاء الإسلاميين، يواجه الآن تحديًا إضافيًا: المنافسة من نموذج حُكم إسلامي منافس (في سوريا)، حيث إن الخطاب المبني على المصالح وترك المشاكل، لهيئة تحرير الشام، والذي يتضمن التعامل مع الأقليات و التخطيط للإصلاحات الديمقراطية، يتناقض بشكل حاد مع عزلة حركة طالبان المُتزايد.

على الرغم من العلاقات غير الرسمية مع حفنة من البلدان بالنسبة لحكام طالبان (الامارة الاسلامية في افغانستان)، تظل حكومة حركة طالبان غير مُعترف بها من قبل أي دولة، وقد أدت سياسات مثل حظر تعليم النساء وتقييد المنظمات غير الحكومية الأجنبية إلى تعميق الأزمة الإنسانية في أفغانستان وتآكل شرعية حركة طالبان بشكل أكبر.

إن وجود قادة ضمن حركة طالبان معتدلين، يخشون، من أن يكون النهج المُتشدد الذي يتبناه زعيم الحركة ((الملا هبه‌الله اخوندزاده)، غير قابل للاستمرار، و التطورات في سوريا، وخاصة التحول الواضح الذي تشهده هيئة تحرير الشام نحو الشمولية، من شأنها أن تعمل على توسيع الخلافات القائمة داخل قيادة حركة طالبان، ومن المؤكد أن الانتقال السوري الناجح ــ حتى لو كان محفوفاً بالتحديات ــ من شأنه أن يؤكد على إخفاقات حركة طالبان وتصلبها.

مع بدء الاحتفالات في سوريا، فإن مظاهر الفرح العلنية التي تبديها حركة طالبان تخفي وراءها قلقاً أعمق، و إن سقوط نظام بشار الأسد يُشكل تذكيراً صارخاً بأن أي نظام إستبدادي لا يستمر، و بالنسبة لحركة طالبان، فإن نجاح (المتمردين) السوريين يثير تساؤلات مُقلقة حول مستقبلهم، ومن الممكن أن يؤدي صعود هيئة تحرير الشام كنموذج مُحتمل للحكم الإسلامي إلى تقويض مطالبة حركة طالبان بالزعامة في العالم الإسلامي، الأمر الذي يزيد من عزلتها على الساحة العالمية.

في حين وزعت حركة طالبان الحلوى في العاصمة الأفغانية، فإنها قد تدرك قريباً أن سقوط بشار الأسد ليس النصر الكامل الذي كانت تأمله الحركة، بل إنه بدلاً من ذلك بمثابة تحذير من التحديات المُقبلة ــ سواء من داخل حدود أفغانستان أو خارجها.

( ترجمة بتصرف لمقال رأي لـ Weiss Mehrabi – كانون أول/ ديسمبر – 2024 )

للإستماع للمقالة

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات